يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

502

بهجة المجالس وأنس المجالس

طويل الفكرة ، يقلب كفه ويحاسب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما خشن ، يعظم أهل الدين ، ويقرب المساكين « 1 » ، لا يطمع القوى في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، كان فينا كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه ، وينبئنا إذا استنبأناه ، ونحن واللّه مع تقريبه إيانا ، وقربه منا لا نكاد نكلمه لهيبته ، ولا نبتدئه لعظمته ، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، وقد تمثل في محرابه قابضا على لحيته ، يتململ تململ السليم « 2 » ، ويبكى بكاء الحزين ، يقول : يا دنيا ! غرّى غيرى ، أإلىّ تعرضت ؟ أم إلىّ تشوقت ؟ هيهات هيهات ، قد باينتك ثلاثا لا رجعة لي فيها ، فعمرك قصير ، وخطرك قليل ، آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق . فبكى معاوية ، وقال : رحم اللّه أبا حسن ، كان واللّه كذلك ، فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟ قال حزن من ذبح واحدها في حجرها . سئل عبد اللّه بن عباس عن علىّ بن أبي طالب ، فقال : ما شئت من ضرس قاطع في العلم بكتاب اللّه ، والفقه في سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكانت له مصاهرة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والتبطن في العشيرة ، والنجدة في الحرب ، والبذل للماعون . نظر علىّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه ، إلى زيد بن صوحان مقتولا ، فقال : واللّه لقد كنت ما علمت : عظيم المعونة ، خفيف المؤونة .

--> ( 1 ) ساقط من ب . ( 2 ) ب : القبم ، والسليم ، الملدوغ وسمى بذلك تيمنا بشفائه .